محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
209
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
إليه في قوله تعالى : إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [ الأعراف : 56 ] أمارة وعلامة على تلك العناية ، وليس بعلة موجبة . وإنما أسند الرحمة إليه وعلّقها به ؛ لئلا يتكل العباد على السابقة ويتركوا العمل الذي هو مقتضى العبودية الواجبة للّه تعالى عليهم . إلى المشيئة يستند كل شيء . لأن وقوع ما لم يشأ الحقّ تعالى محال . ولا تستند هي إلى شيء . لاستحالة وجود النقص فيما يجب له من الكمال . وهذه العبارات التي ذكرها المؤلف رحمه اللّه من أوّل الفصل إلى هنا بلغت الغاية في الحسن ، واستغنت بتردادها وتكرارها عن البيان والشرح ، وفيها إشارة إلى أحكام الأزل ، وفقد الأسباب والعلل ، فيجب على العبد أن يبنى عليها أعماله وأحواله ؛ فيلتزم العبودية والافتقار ، ويدع التدبير والاختيار لمن بيده ذلك ، وهذا هو أدب التوحيد جعلنا اللّه من أهله بمنّه وفضله وكرمه . قال أبو بكر محمد بن موسى الواسطي ، رضي اللّه عنه : « إن اللّه لا يقرّب فقيرا لأجل فقره ، ولا يبعد غنيا لأجل غناه ، وليس للأعراض عنده خطر ، حتى بها يصل ، وبها يقطع ، ولو بذلت له الدنيا والآخرة ما أوصلك إليه بهما ، ولو أخذتهما كلهما ما قطعك بهما ، قرّب من قرب من غير علّة ، وقطع من قطع من غير علّة ، كما قال تعالى : وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ [ النور : 40 ] . وقال أيضا رضي اللّه عنه : « ما خالفه أحد ولا وافقه وكلهم مستعملون بمشيئته وقدرته ، أنّى يكون له الوفاق والخلاف وهو يقلّب الليل والنهار بما فيهما وهو قائم على الأشياء وبالأشياء في بقائها وفنائها لا يؤنسه وجد ولا يوحشه فقد ، بل لا فقد ولا وجد ، وإنما هي رسوم تحت الرسوم . ربما دلهم الأدب على ترك الطلب اعتمادا على قسمته واشتغالا بذكره عن مسألته . قد يكون من الأدب ترك السؤال والطلب لمن هو مستغرق في الأذكار ، راض بما يجري عليه من تصاريف الأقدار ، وهو أحد مذاهب القوم . قال : الإمام أبو القاسم القشيري ، رضي اللّه تعالى عنه : « واختلف « 1 » الناس في أيّ شيء أفضل : الدعاء أم
--> ( 1 ) انظر الرسالة القشيرية ص 265 باب الدعاء .